العيني
19
عمدة القاري
عطاء ومالك والأوزاعي والشافعي وأبي عبيدة ، واختلفوا في المستيقظ من النوم بالنهار ، فقال الحسن البصري : نوم النهار ونوم الليل واحد في غمس اليد ، وسهل أحمد في نوم النهار ، ونهى عن ذلك إذا قام من نوم الليل . قال أبو بكر : وغسل اليدين من ابتداء الوضوء ليس بفرض ، وذهب داود الطبري إلى إيجاب ذلك ، وأن الماء يجزيه إن لم تكن اليد مغسولة . وقال ابن حزم : وسواء تباعد ما بين نومه ووضوئه أو لم يتباعد ، فلو صب على يديه من إناء دون أن يدخل يده فيه لزم غسل يده أيضاً ثلاثاً إن قام من نومه . وقال ابن القاسم : غسلهما عبادة ، وقال أشهب : خشية النجاسة . وفي ( الأحكام ) لابن بزيزة : اختلف الفقهاء في غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء ، فذهب قوم إلى أن ذلك من سنن الوضوء ، وقيل : إنه مستحب وبه صدر ابن الجلاب في تفريعه ، وقيل بإيجاب ذلك مطلقاً وهو مذهب داود وأصحابه ، وقيل بإيجابه في نوم الليل دون نوم النهار ، وبه قال أحمد ، وقال : وهل تغسلان مجتمتعين أو متفرقتين ففيه قولان مبنيان على اختلاف ألفاظ الحديث الواردة في ذلك ، ففي بعض الطرق : فغسل يديه مرتين مرتين ، وذلك يقتضي الإفراد ، وفي بعض طرقه : ( فغسل يديه مرتين ) ، وذلك يقتضي الجمع . انتهى . فان قلت : كان ينبغي أن لا ينفي السنية لأنهم كانوا يتوضؤن من الأتوار ، فلذلك أمرهم ، عليه الصلاة والسلام ، بغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء ، وأما في هذا الزمان فقد تغير ذلك . قلت : السنة لما وقعت سنة في الابتداء بقيت ودامت وإن لم يبق ذلك المعنى ، لأن الأحكام إنما يحتاج إلى أسبابها حقيقة في ابتداء وجودها لا في بقائها ، لأن الأسباب تبقى حكماً وإن لم تبق حقيقة ، لأن للشارع ولاية الإيجاد والإعدام ، فجعلت الأسباب الشرعية بمنزلة الجواهر في بقائها حكماً . وهذا كالرَّمَل في الحج ونحوه . الثالث : استدل بإطلاق قوله ، عليه الصلاة والسلام : ( من نومه ) ، من غير تقييد ، على أن غمس اليدين في إناء الوضوء مكروه قبل غسلهما سواء كان عقيب نوم الليل أو نوم النهار ، وخص أحمد الكراهة بنوم الليل لقوله : ( أين باتت يده ) ، والمبيت لا يكون إلاَّ ليلاً ، ولأن الإنسان لا ينكشف لنوم النهار كما ينكشف لنوم الليل ، لقوله ( أين باتت يده ) والمبيت لا يكون إلا ليلاً فتطوف يده في أطراف بدنه كما تطوف يد النائم ليلاً ، فربما أصابت موضع العذرة ، وقد يكون هناك لوث من أثر النجاسة ، ويؤيد ذلك ما في رواية أبي داود ساق ، أسنادها مسلم : إذا قام أحدكم من الليل . . . وكذا الترمذي من وجه آخر صحيح ، وفي رواية لأبي عوانة ساق مسلم إسنادها : ( إذا قام أحدكم إلى الوضوء حين يصبح . . . ) وأجابوا بأن العلة تقتضي إلحاق نوم النهار بنوم الليل ، وتخصيص نوم الليل بالذكر للغلبة . وقال النووي : ومذهبنا أن هذا الحكم ليس مخصوصاً بالقيام من النوم ، بل المعتبر فيه الشك في نجاسة اليد فمتى شك في نجاستها يستحب غسلها سواء قام من النوم ليلاً أو نهاراً أو لم يقم منه ، لأنه ، عليه الصلاة والسلام ، نبه على العلة بقوله : ( فإنه لا يدري ) ومعناه لا يأمن من النجاسة على يده ، وهذا عام لاحتمال وجود النجاسة في النوم فيهما ، وفي اليقظة . الرابع : إن قوله : ( في الاناء ) محمول على ما إذا كانت الآنية صغيرة كالكوز أو كبيرة كالجب ومعه آنية صغيرة ، أما إذا كانت الآنية كبيرة وليست معه آنية صغيرة فالنهي محمول على الإدخال على سبيل المبالغة ، حتى لو أدخل أصابع يده اليسرى مضمومة في الاناء دون الكف ، ويرفع الماء من الجب ، ويصب على يده اليمنى ، ويدلك الأصابع بعضها ببعض ، فيفعل كذلك مرات ، ثم يدخل يده اليمنى بالغاً ما بلغ في الإناء إن شاء ، وهذ الذي ذكره أصحابنا . وقال النووي : وأما إذا كان الماء في إناء كبير بحيث لا يمكن الصب منه ، وليس معه إناء صغير يغترف به ، فطريقة أن يأخذ الماء بفيه ثم يغسل به كفيه ، أو يأخذه بطرف ثوبه النظيف ، أو يستعين بغيره . قلت : لو فرضنا أنه عجز عن أخذه بفمه ، ولم يعتمد على طهارة ثوبه ، ولم يجد من يستعين به ، ماذا يفعل ؟ وما قاله أصحابنا أوسع وأحسن . الخامس : يستفاد منه أن الماء القليل تؤثر فيه النجاسة ، وإن لم تغيره ، وهذه حجة قوية لأصحابنا في نجاسة القلتين لوقوع النجاسة فيه . وإن لم تغيره وإلاَّ لا يكون للنهي فائدة . السادس : يستفاد منه استحباب غسل النجاسات ثلاثاً لأن إذا مر به في المتوهمة ففي المحققة أولى ، ولم يرد شيء فوق الثلاث ، إلا في ولوغ الكلب ، وسيجئ إن شاء الله تعالى أنه عليه السلام أوجب فيه الثلاث ، وخيّر فيما زاد . السابع : فيه أن النجاسة المتوهمة يستحب فيها الغسل ، ولا يؤثر فيها الرش فإنه ، عليه الصلاة والسلام ، أمر بالغسل ولم يأمر بالرش . الثامن : فيه استحباب الأخذ بالاحتياط في أبواب العبادات . التاسع : إن الماء يتنجس بورود النجاسة عليه ، وهذا بالإجماع ، وأما ورود الماء على النجاسة فكذلك عند الشافعي . وقال النووي في هذا الحديث : والفرق بين ورود الماء على النجاسة وورودها عليه ، وأنها إذا وردت عليه نجسته وإذا ورد عليها أزالها ، وتقريره